الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

134

نفحات الولاية

أضاء ظلمات الجهل والضلال . ثم خاض عليه السلام في بيان هذا النور المتمثل بالقرآن : « ذلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ ، وَلَنْ يَنْطِقَ ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ » . لقد شبهت أغلب الآيات القرآن بالنور ، ومنها ما ورد في سورة المائدة : « قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ » « 1 » ، وسورة الأعراف : « فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ » « 2 » ، وكما يضيئ النور أجواء الحياة ويحول دون تعثر الإنسان في الظلمة والضلال وينمي النباتات ويرعى جميع الكائنات الحية ، فللقرآن مثل هذه المهام في حياة الإنسان المادية والمعنوية . المراد من « بِتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ » وبالنظر إلى أن بين يديه تعني هنا ما قبل ليس تصديق التوراة والإنجيل الذين طالهما التحريف ، بل هي إشارة إلى تلك الكتب السماوية التي نزلت على موسى وعيسى عليهما السلام كما لا يعني هذا التصديق أنّ الإسلام يتفق مع هاتين الديانتين في جميع التفاصيل ، بل المراد الأصول الكلية التي تشكل المحور المشترك لكافة الأديان السماوية ، وإن طبقها الإسلام على مستوى أرفع وأوسع . والعبارة « وَلَنْ يَنْطِقَ » لا تعني أنّ القرآن لا ينفتح على أي شخص ( سوى الأئمّة المعصومين عليهم السلام ) ، وذلك لأنّ القرآن نزل بلسان عربي مبين ومنطق واضح جلي وقد أمر الجميع بالتدبر فيه والاصغاء إلى مواعظه ليعيشوا الرجاء من خلال آيات البشارة والخوف من خلال آيات الوعيد والانذار . وعليه فالمراد من « وَلَنْ يَنْطِقَ » فيما يتعلق ببطون القرآن والأسرار الكامنة فيها ، فهذه البطون من اختصاص النبي الأكرم صلى الله عليه وآله والائمّة المعصومين عليهم السلام . ومن هنا قال : « أَلَا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي ، وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي ، وَدَوَاءَ دَائِكُمْ ، وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ » . فالعبارة « عِلْمَ مَا يَأْتِي » كما أوردها بعض شرّاح نهج البلاغة

--> ( 1 ) . سورة المائدة ، الآية 15 ( 2 ) . سورة الأعراف ، الآية 157